هذا ما يريده “الحزب”: هل لبنان عشية زلزال سياسي؟

كتب فيليب أبي عقل لـ“ici beyrouth”:

من كلمات رئيس الجمهورية الأسبق كميل شمعون: “البلاد تقع في خطأ سياسي زلزالي بسبب موقعها الجغرافي، وهو ما يفسر الزلازل العنيفة التي تتعرّض لها في كلّ مرةٍ والتي تُحدث في كلّ مرةٍ تغييراتٍ جوهرية في هيكلها السياسي، حسب المستجدات وعلاقات القوة في المنطقة والعالم”.
بالنسبة لشمعون، كانت المظلة الحامية للبنان في حال الاضطراب هي التزامه باتفاقية الاستقلال غير المكتوبة، “لا شرقاً ولا غرباً”، والحياد في حالة الصراع العربي العربي.

لقد احترمت بلاد الأرز بالفعل الاتفاقية حتى اللحظة، حيث خرجت في السنوات الأخيرة عن موقفها الحيادي وانزلقت في سياسة المحاور التي لم تستثنِ أحداً، فحوّلت البلاد إلى ساحة مواجهة وصندوق بريد للحزب، يستفيد عبره من المشاريع الإقليمية.

وبالعودة إلى عهد شمعون، وتحديداً إلى العام 1958، وظهور الناصرية والوحدة العربية، والأزمة الشهيرة التي انتهت بتبني الشعار المناهض للتقسيم “لبنان واحد وليس اثنين” من قبل رئيس الوزراء الأسبق صائب سلام، لا بد من أن نستذكر حكمة فؤاد شهاب، والذي خلف شمعون في بعبدا، إذ أدّت سياسة شهاب إلى إبعاد لبنان عن سياسة المحاور، حيث التقى جمال عبد الناصر في العام 1959 عند الحدود اللبنانية السورية، لتختفي بعد ذلك الناصرية دون أن تتأثر الجمهورية الأولى بها.

الأمر الثاني، كان الملف الفلسطيني ومشروع الوطن البديل لياسر عرفات. وفي هذا السياق برز اتفاق القاهرة في العام 1969 لتنظيم نوع من التعايش اللبناني الفلسطيني في لبنان، غير أنّ هذا الاتفاق لم ينفذ، إذ فرض عرفات هيمنته بقوّة السلاح على لبنان، وحوّل قرى العرقوب الجنوبية إلى مواقع عسكرية تستهدف من خلالها حركة فتح إسرائيل.
وفي العام 1982 اجتاحت إسرائيل الأراضي اللبنانية وصولاً إلى بيروت، وفرضت احتلالاً، ما دفع نحو اتفاق “17 أيار”، غير أنّ هذا الاتفاق لم ينفذ إذ اغتيل رئيس الجمهورية بشير الجميل في أيلول من العام نفسه، وتحديداً بعد عشرين يوماً من انتخابه، ليخلفه شقيقه أمين الجميل الذي رفض الاحتلال ما أدّى إلى منعه من الحكم خارج محيط بعبدا.

إزاء كل ما سبق بدأت الجبهة الوطنية للمقاومة اللبنانية، بقيادة أحزاب اليسار، تحركاتها ضد إسرائيل، ونجحت في إجبارها على الانسحاب نحو الجنوب.
لاحقاً، تمّ القضاء على “المقاومة الوطنية” تدريجياً على يد حزب الله، الذي رسخ نفسه تدريجياً باعتباره المعقل الوحيد للمقاومة، واستمر الوضع على حاله حتى الانسحاب الإسرائيلي من لبنان في أيار 2000.

على الصعيد الداخلي، وأمام استحالة انتخاب رئيس جديد للجمهورية أو تشكيل حكومة وحدة وطنية، عيّن أمين الجميل في نهاية ولايته في أيلول في العام 1988، العماد ميشال عون الذي كان في ذلك الوقت قائداً للجيش، رئيساً لحكومة عسكرية انتقالية تشرف على تنظيم الانتخابات الرئاسية.
غير أنّ الوزراء المسلمين في هذه الحكومة سارعوا إلى الاستقالة على الفور بينما تراجع رئيس الوزراء سليم الحص من جانبه عن الاستقالة، وانقسمت الشرعية اللبنانية بين سلطتين، الأولى في الشرق بقيادة حكومة عون والثانية في الغرب تقودها حكومة الحص.

هذا الوضع أفضى إلى إطلاق حوار وطني برعاية عربية ودولية في مدينة الطائف بالمملكة العربية السعودية، نتج عنه وثيقة التفاهم الوطني عام 1989، والتي كانت بمثابة الأسس الدستورية الجديدة.
في العام 1992، انقلب النظام السوري على الطائف، بعدما تبنّى تطبيقه بشكل تعسفي وانتقائي، فشوّه روح الوثيقة والتوازنات الاجتماعية – المجتمعية بهدف فرض هيمنته السياسية على البلاد من قبل أجهزة المخابرات التابعة له.

واستطاع الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد في تلك المرحلة زعزعة الصيغة اللبنانية والنظام البرلماني، كما أدخل العديد من الأفخاخ على الدستور الجديد (الاتفاقية الثلاثية التي وضعتها دمشق مع حلفائها في عام 1985)، وجعل تدخله أساسيًّا لحل الخلافات والصراعات بين القوى اللبنانية.
ومن بين هذه الاختلالات: تعتبر الحكومة مستقيلة بعد انسحاب غالبية أعضائها، فيما رئيس الحكومة يحتاج إلى الثلثين لإقالة وزير … أما رئيس مجلس النواب المنتخب لمدة أربع سنوات (في حين نصّ الطائف على أن ينتخب لعامين)، لا يمكن عزله.
في ظلّ هذا الواقع يجد رئيس الجمهورية نفسه ضعيفًا عند مقارنة صلاحياته بالممارسة الرئاسية التي كانت سائدة في ظل الجمهورية الأولى، والتي لم تكن تخلو أيضاً من الشعور بالإحباط وخيبة الأمل.
وكان المسيحيون، السياسيون في ذلك الوقت أو تعرضوا للنفي مثل ميشال عون وأمين الجميل، أو سجنوا كسمير جعجع، أو اغتيلوا كداني شمعون.

وكان أيار 2000، الذي سجّل انسحاب إسرائيل من لبنان قد مهّد الطريق للانسحاب السوري أيضاً، ولكن هذا الأمر لم يتم إلا في العام 2005 تحت ضغط مشترك من المعارضة اللبنانية والمجتمع الدولي، عقب اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري، ما فرض تطبيق القرار 1559.
في حين اعتمد القرار 1701 بعد حرب تموز 2006، حيث اضطر حزب الله إلى الانسحاب من الحدود الجنوبية، والتفت إلى السلطة اللبنانية مع حلفائه وفي مقدمتهم رئيس الجمهورية ميشال عون الذي عاد إلى لبنان في أيار  2005، ويأتي مشروع حزب الله في إطار أجندة إيرانية توسعية في جميع أنحاء العالم العربي.

هذا الواقع دفع رئيس الجمهورية الأسبق ميشال سليمان لفرض الحياد من خلال إعلان بعبدا، وهو إعلان نال موافقة الأطراف السياسية في البداية، ليعود وينقلب عليه في العام 2012 حزب الله وميشال عون.

ماذا تخبرنا هذه الأحداث كلّها؟
إن ما يصاحب الصراعات الإقليمية وعدم الاستقرار والانقسام والانهيار الداخلي، هو مرادف لتغييرات عميقة، غالبًا ما تكون على حساب إرادة اللبنانيين.

اليوم يجد لبنان نفسه مرة أخرى عشية تحولات كبيرة، وذلك في ظل التطورات المتسارعة التي تدور حوله، والتي تتمحور بشكل خاص حول مستقبل العلاقات بين إيران والدول العربية وإسرائيل والمجتمع الدولي.
ومن المؤكد أن صندوق الاقتراع وحده هو الذي تقع على عاتقه مهمة التغيير الجوهري، لكن وكما العادة فإنّ العامل المعرقل يأتي من خارج العملية الدستورية.

في هذا الإطار، لا تخفي المصادر الغربية تخوّفها من تطورات أمنية في المنطقة أو في لبنان ستؤدي مرة أخرى على المدى الطويل إلى تغيير النظام السياسي، كفراغ رئاسي ونيابي يمهد الطريق أمام عوامل جديدة تهز الطائف والمناصفة الإسلامية المسيحية، لتمهيد الطريق لمشروع المثالثة (السنة – الشيعة – المسيحيين) والذي يريده حزب الله لإضفاء الطابع المؤسسي على مكاسبه السياسية.

هل نحن إذًا على أبواب جمهورية ثلاثية؟
مع الأخذ بعين الاعتبار مبدأ الزلازل السياسية اللبنانية، لا يمكننا استبعاد أن يدخل لبنان مرة ثانية في المجهول.
ولكن من خلال استخلاص دروس الانهيار المتسارع للبلاد منذ العام 1958، فإنّ العديد من العواصم التي تلعب دور صانع القرار تدرك أنّه من الخطر في الظروف الحالية التفكير في صيغة سياسية جديدة للبلاد، مثل الفيدرالية أو التقسيم.
علماً أنّ الدعوات إلى اللامركزية الإدارية والمالية، وحتى الفيدرالية، تأتي على خط محاكاة التقسيم الثلاثي، ويبقى أن نرى ما إذا كانت هذه الصيغ تخدم حزب الله في نهاية المطاف في مخططاته، ومن هنا جاءت الإرادة الدولية الجماعية لمحاولة إيجاد حلول على أساس اتفاق الطائف، وبغية إعادة الدولة اللبنانية إلى وظائفها السيادية، وعلى رأسها الحياد والسيادة وحصر السلاح بيد الجيش.

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

مواضيع متعلقة: